حيدر حب الله
76
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
الملاحظة المذكورة ، أما على التفسير الأوّل فلا ، بل قد يدّعي الطرف القائل بملاك الكفر أن إبقاء أهل الكتاب لا ينافي كون الجهاد لدعوتهم إلى الإسلام لا لردّ عدوانهم ، وذلك أن خضوعهم للدولة الإسلامية يمثل مقدّمةً رئيسة لنشر الإسلام في أوساطهم - كما يقول الرازي وابن العربي وغيرهما « 1 » - ومعه يصحّ أن يقال : إن الجهاد كان طريقاً لنشر الدعوة ، إما فوراً كما هي الحال مع المشرك ، أو عبر الواسطة كما في حالة أهل الكتاب . وعلى أيّة حال ، فلا تلغي المناقشة المذكورة - لوحدها - طبيعة استدلال المستدلّ بآية الجزية على شرعية الجهاد الابتدائي ، ولسنا نحتمل كثيراً أن يقصد هذا المستدلّ قتل تمام الكافرين ، فإن نظام الذمّة الذي يُبقي على ديانات أهل الكتاب من واضحات الفقه الإسلامي بمذاهبه ؛ من هنا نتحفّظ على فعل من خلط في تحليل كلمات العلماء بين عدم جعلهم القتل أصلًا في التعامل مع الكفّار ، وبين كون القتال أصلًا في علاقتنا بهم ؛ فهذا خلط بين موضوعين « 2 » ، وكلمات مثل ابن تيمية واضحة في هذا التمييز « 3 » . يضاف هنا أنّ السيد الخوئي حاول رفع معيارية الكفر في آية الجزية بأنّ القرآن فرّق بين المشركين وأهل الكتاب ، فالمشرك يحارب بسبب كفره ، دون أهل الكتاب الذين لابدّ أن يصدر منهم شيء حتى يحاربوا ، كحربهم
--> ( 1 ) ابن العربي ، أحكام القرآن 2 : 482 - 483 ؛ والتفسير الكبير 16 : 27 ؛ وتفسير المراغي 4 : 95 ؛ والمنار 10 : 289 ؛ والزحيلي ، التفسير المنير 10 : 178 . ( 2 ) وقع في ذلك ظافر القاسمي لدى تحليله كلمات مثل ابن الصلاح الشهرزوري ، فانظر له : الجهاد والحقوق الدولية العامّة في الإسلام : 176 - 178 ، دار العلم للملايين ، ط 1 ، 1982 م ؛ وكذلك قفز وهبة الزحيلي من نصّ شبيه للشربيني ( مغني المحتاج 4 : 210 ) ، إلى فهم مبدأ الدفاعية المحضة ، فانظر : آثار الحرب في الفقه الإسلامي : 89 - 90 . ( 3 ) ابن تيمية ، السياسة الشرعية : 160 .